روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

56

عرائس البيان في حقائق القرآن

وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ : انبسطت عرصات قلوبهم لتراكم غيوم القبض ، وتتابعت على أسرارهم أنوار العظمة ، فأبرزت الأرض من عظائم برحاء مواجيدهم ، وتراكم حقائق همومهم ، فلا يبقى ذرة من الأرض إلا واستغرقت في بحار أنفاسهم الملكوتية ، واحترقت بنيران أفئدتهم الجبروتية ، وما رأوا على وجه الأرض ما يستأنسون به غير اللّه . ثمّ وصف نفوسهم بفنائها في آثار قلوبهم ، بقوله : وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ ضاقت نفوسهم من حمل وارد الغيب عليهم ، وعن أثقال أرواحهم ، التي هي مطايا أسرار الألوهية ، ولطائف كنوز الربوبيّة ، وفنوا تحت سلطان كبريائه ، ودخلوا تحت أكناف لطفه من عزائم قهره . بقوله تعالى : وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ عرفوا موضع الفرار منه إليه ، فقطعوا الوسائط ، وخاضوا في بحار القهر بسفن اللطف ، فلمّا رآهم منفردين من دونه ، أقبل إليهم بنوادر لطفه ؛ ليقلبهم من الكون إلى وجهه ، بقوله : ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا رفع حجاب الحشمة من البين ؛ ليدخلوا الحضرة بوصف الأنس ، اشتاق إليهم ، فشوّقهم إليه ، ثم وصف نفسه بأنه قابل التوبة في الأزل ، رحيم على من رجع إليه ، بأن أمنه بعد خوفه ، وقرّبه بعد بعده . قال أبو عثمان : من رجع إلى اللّه ، وإلى سبيله ، فلتكن صفته هذه الآية ، تضيق عليه الأرض حتى لا يجد فيها لقدمه موضع قرار ، إلّا وهو خائف أنّ اللّه ينتقم منه فيها ، وتضيق عليه أحوال نفسه ، فينتظر الهلاك مع كلّ نفس ، هذه أوائل دلائل التوبة النصوح ، ولا يكون له ملجأ ولا معاد ولا رجوع ؛ إلّا إلى اللّه بانقطاع قلبه عن كلّ سبب . قال اللّه تعالى : وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ . وقيل في قوله : وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ لن يعتمدوا حبيبا ، ولا خليلا ، ولا كليما ، بل قلوبهم منقطعة عن الخلق أجمع ، وعن الأكوان كلّها . لذلك قيل : المعارف ألّا تلاحظ حبيبا ولا خليلا ولا كليما ، وأنت تجد إلى ملاحظة الحقّ سبيلا . وقال أحمد بن خضرويه ، لأبي يزيد : بماذا أصل إلى التوبة النصوح ؟ قال : باللّه وبتوفيقه ، ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا . قال بعضهم : عطف عليهم بنوال عطفه ونعمه وفضله ، فألفوا إحسانه ، ورجعوا إليه ،